youtube

facebook6

الشاحن الإيماني

كتبه  عمران الحويطي
قييم هذا الموضوع
(0 تصويتات)

من المعلومِ أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والمنكَرات، والأدلة على ذلك كثيرة، سواء في كتاب الله تعالى وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والمسلم اليوم بحاجةٍ إلى زيادة إيمانه، والتعرُّض للشواحن الإيمانية أكثر من الوقت الماضي في العهد النبوي؛ فالمسلمون السابقون كان الإيمان عندهم في ازدياد كبير، وربما لا ينقص إلا قليلاً - وأقصد هنا المؤمنين الحق - والسبب في ذلك قلةُ دواعي المعصية، وعدم انتشار الفاحشة كما هي اليوم، وعدم وجود النساء الكاسيات العاريات، سواء في الشوارع والطرقات، أم في الإعلام والقنوات، وكذلك عدم انفتاح الدنيا ببهرجها وزخرفها كما فتحت أبوابها اليوم على مصراعيها، وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن هذا الوقت فقال: ((ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسطَ عليكم الدنيا كما بُسِطت على مَن كان قبلكم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِككم كما أهلكتهم))؛ رواه البخاري.

فهذا الحديث الشريف ينطبق تمامًا على ما يعيشه المسلمُ اليوم؛ فالفِتَن والمِحَن تتلقفه من كل حدب وصوب، سواء في وظيفته أو في دراسته، وهذا سببٌ رئيس من أسباب ضعفِ الإيمان، والتساهل في الالتزام بالدِّين؛ لكثرة المعاصي المنتشرة، فهنا يحتاج المسلم إلى ما يمكن أن نسميَه الشاحن الإيماني؛ ليرفع إيمانه وسط المخفِّضات الكثيرة في هذه الحياة، وهذه الشواحن الإيمانية تتمثَّل في القرآن الكريم، وتلاوته، وفهمه، وتدبره؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2].

وتتمثل كذلك في الاستغفار، وذِكر الله تعالى، وتذكُّر الموت وأهوال يوم القيامة، وغيرها من الشواحن الإيمانية التي تَزيد إيمانَ المسلم بربِّه تعالى، وتُعِينه على التغلُّب على شهوات النفس وحظوظِها.

وهنا معادلة لمن يتأمل، وهي: أن جيلَ الصحابة رضي الله عنهم قلَّت في وقتهم دواعي المعصية، وتكاد تختفي؛ فالمنكَرات لا تكاد تُرَى في ذلك المجتمع؛ فالزنا والخمر والسرقات لا تكاد تذكر في العهد الأول، والدنيا بزينتها وشهواتها ونضرتها لم تكن في ذلك العهدِ كما هي اليوم.

فهذه الدلائل تدلُّ على أن دواعي المعصية قليلة، بل تكاد تنعدم.

وعلى العكس من ذلك تمامًا كانت دواعي الطاعة والعمل الصالح كثيرة بين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فمنها:

نزول القرآن بين أظهرهم، وكذلك الحياة مع النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يحثُّهم ويبين لهم مسائلَ دينهم.

وأضف إلى ذلك ساحاتِ الجهاد التي ترتفع فيها أرواح الشهداء إلى الله، فيرتفع الرصيد الإيماني لمن يرى ذلك، أما المسلم اليوم فهو يعيش مع كثرة المعاصي وانتشار الفواحش، وفتح الدنيا أبوابها، ومحاصرة الفتن والمحن للمسلم من كل حدب وصوب، عندئذ قلَّتْ دواعي الطاعة والعمل الصالح؛ بانشغال الناس في حياتهم، وضجيجها وعجيجها، ووسط هذا الركام من الدنيا قلَّ التعرض للشواحن الإيمانية التي تزيد المؤمن إيمانًا.

وسأذكر هنا بعض ما يُعِين المسلمَ على زيادة إيمانه:

أولاً: قراءة القرآن وتدبره:

ففي قراءته وتلاوته يزداد الإيمانُ، ويدل على ذلك قولُ الله عز وجل في وصف المؤمنين الصادقين: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ [الأنفال: 2]، وكذلك تدبره؛ ففيه أعظم النفع لزيادة الإيمان، وأما القلوب الغافلة فلا تتدبره؛ قال ابن القيم رحمه الله: "قراءة آية بتفكُّر وتفهُّم خيرٌ من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى في حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن"، وقال أيضًا: "فليس شيء أنفَعَ للعبد في معاشِه ومَعاده، وأقرَبَ إلى نجاته، من تدبُّر القرآن، وإطالة التأمُّل، وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتَشيد بنيانَه، وتوطِّد أركانه"؛ [انظر مدارج السالكين 1/485]، فإذا تدبَّر العبد آيات الله تعالى في كتابه، وآياته الكونية في خَلقه البديع، حصل له من الإيمان وزيادة اليقين بالله تعالى.

ثانيًا: تعلم العلم:

فإن من تعرف على الله تعالى وعلى أسمائه وصفاته، وعرَفه حق المعرفة، كان له من الإيمان العظيم واليقين الراسخ؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، فمن كان باللهِ أعرَفَ، كان منه أخوَفَ، وقد وصف الله تعالى أنبياءه عليهم الصلاة والسلام فقال: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾ [الأحزاب: 39]، وثبَت عن خاتمهم صلى الله عليهم وسلم أنه قال للثلاثة المتنطِّعين: ((أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له))، فليس غريبًا أن تكون الخشيةُ من أخصِّ خصائص ورثتهم الحقيقيين، وهم العلماء الربانيون.

والمتأمل في اختصاص ذكر الخشية بالعلماء دون غيرها، يقع على السبب، فلم يقل سبحانه: إنما يرجو اللهَ من عباده العلماءُ، وما قال: إنما يحب اللهَ من عباده، ولا غير ذلك.

ثالثًا: التأمل في آيات الله الكونية ومخلوقاته جل وعلا:

ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، وقوله تعالى: ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: 21]، وقوله: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101]، فإن العبدَ إذا تفكَّر في آيات الله تعالى في هذا الكون عرَف عظَمةَ الله تعالى، فازداد إيمانُه؛ قال عامر بن عبد قيس: "سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: إن ضياءَ الإيمان أو نور الإيمان التفكُّر"؛ [انظر الدر المنثور (2/409)].



المشاهدات 14 مرة

الأكثر قراءة هذا الشهر

جديد المقالات

  • خلق نفتقده >

    قد لا  يكون الخلق الوحيد الذي يفتقده مجتمع المسلمين اليوم لكنه بلا شك الأكثر افتقادا في ظل طغيان مادي جارف وجفاف روحي وأخلاقي واضح وانحسار ملحوظ لتمثل المسلمين بخلق متمم لشعب الإيمان . لا تقتصر غربة هذا الخلق في المجتمع على جنس دون آخر أو جيل دون جيل فقد عمت بلوى هجره والإعراض عنه الرجال قبل النساء وانتقلت عدوى تركه إلى الفتيان المزيد...
  • متى.. متى؟! >

    عبارةٌ وجدتها مكتوبةً في إحدى الوريقات أمامي، فتبادر لذهني: لماذا يؤجِّل البعض منا تحقيقَ الأهداف، يؤخِّرها للغد، أو بعد غدٍ، وربما الشهر القادم، وقد يردِّد: "خليها بالتساهيل"؟ بالتسويف لن يتحقَّق شيء، وستظلُّ واقفًا في نفس المكان طَوالَ حياتِك. اجلس مع نفسك واسألها: (سأعيش في هذه الحياة مرَّةً واحدةً، أحلامي وأمنياتي، أهدافي التي أريدها متى سأقوم بتحقيقها، متى.. متى؟!). ذلك الهدف الذي المزيد...
  • هنا تظهر معادن الأزواج >

    حريصون علي شكر كل أب أو زوج لما يتحمل من مسئوليات , و ما يبلغه من الكد والتعب و العمل ليل نهار ، كي يوفر لبيته و لأهله و أولاده حياة كريمة ، مضحيا بكل ما أوتي من قوة لسد إحتياجاتهم .. هذا غير ما يتحمل من الهموم التي تعاوده من الخوف من غد , أو هل سيستطيع أن يواصل رحلة الكفاح هذه , أم ستتقلب المزيد...
  • 1

شخصيات بناءة

  • قوة الكلمة >

    في بعض اللحظات لحظات الكفاح المرير الذي كانت الأمة تزاوله في العهد الذي مات. . كانت تراودني فكرة يائسة، وتلح على إلحاحا عني. . أسأل نفسي في هذه اللحظات. . ما جدوى أن تكتب؟ ما قيمة هذه المقالات التي تزحم بها الصحف؟ أليس خيرا من هذا كله أن تحصل لك على مسدس وبضع طلقات، ثم تنطلق تسوي بهذه الطلقات حسابك مع الرؤوس الباغية المزيد...
  • ( 8 ) قواعد مهمة لمن أراد نقاش المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب- رحمه الله- >

    هذه ثمان قواعد أو تمهيدات أُراها مهمة لمن أراد الدخول في النقاش مع المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - ؛ كي لا يكون الحوار معهم غير مجدٍ ، ويدور في حلقة مفرغة ، استللتها من كتابي " ثناء العلماء على كتاب الدرر السنية " ، مع التنبيه إلى أن توثيق النقول الآتية في المقال يجده القارئ في كتابي السابق ، وهو منشور في موقع هذا المزيد...
  • سيد قطب رحمه الله >

    فضيلة الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي حفظه الله : كثرت الأقوال في سيد قطب رحمه الله ، فهذا ينزهه من كل خطأ، وذاك يجعله في عداد الفاجرين بل الكافرين فما هو الحق في ذلك ؟ الجواب : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فإن المفكر الأديب سيد قطب رحمه الله له أعداء كثيرون، يختـلفون في كيفية النقد وأهدافه المزيد...
  • 1

629 زائر، و2 أعضاء داخل الموقع

جديد الأخبار

  • الشرطة البلجيكية تستعد لمداهمات جديدة ضد اللاجئين >

    تستعد الشرطة البلجيكية لمداهمة إحدى حدائق العاصمة بروكسل بهدف ضبط لاجئين يتخذون منها مأوى. وقال مسؤول في الشرطة : إن عناصر من الشرطة مرتدين أزياء مدنية، سيقومون بضبط اللاجئين الذين يبيتون في حديقة "ماكسيميليان"، دون توضيح توقيت بدء تلك المداهمات تحديدا. ولفت إلى أن عناصر الشرطة ستتحرك في مجموعات صغيرة خوفا من مواجهة انتقادات شعبية. وأضاف, أن وزيري الداخلية جان جانبون، المزيد...
  • إيران تمهد لإعدام عشرات المعتقلين على خلفية الاحتجاجات >

    وجه القضاء الإيراني تهم "الإفساد في الأرض " و"المحاربة" ضد 39 من المعتقلين أثناء الاحتجاجات الأخيرة وهي تهم أدت في السابق إلى إعدام الآلاف من المعارضين الإيرانيين. وأشارت وكالة "هرانا" التابعة لمجموعة من ناشطي حقوق الإنسان إلى أن قوات الأمن نقلت خلال الأيام الماضية، عشرات من المعتقلين في مدينتي "أسدآباد" و"تويسركان" في محافظة همدان إلى السجن المركزي بعد أن وجهت لهم المزيد...
  • الطائرات الروسية ترتكب مجزرة بالغوطة وأخرى بريف إدلب >

    ارتكبت طائرات الاحتلال الروسي مجزرة في الغوطة الشرقية بريف دمشق وأخرى بريف إدلب شمال سورية . وقضى قرابة الـ40 مدنياً وجرح العشرات بينهم أطفال ونساء إثر قصف من طائرات الاحتلال الروسي على مناطق متفرقة من سوريا، في حين استمرت فرق الدفاع المدني في العمل لساعات وهي تحاول انتشال العالقين تحت الركام. وقال مراسلون في ريف دمشق : إن 19 مدنيا قتلوا في المزيد...
  • 1

جديد الفتاوي

  • بقايا طلاء الأظفار (المناكير)، وأثره على الوضوء >

    السؤال امرأة على أظافرها مناكير (صبغ) وأزالتها قبل التطهر للصلاة، وبعد يومين تقريبا رأت بعض الآثار باقية على أظفارها، فماذا عليها؟ الجواب الحمد لله؛ يجب في الوضوء والغُسل الإسباغُ، أي: غَسل جميع ما يجب غسله في الغُسل والوضوء، وألا يترك من ذلك شيء، فإن نسي موضعًا من أعضاء وضوئه أو بدنه في الغُسل قبل أن تجف أعضاؤه، غسل الموضع وكفى، المزيد...
  • المشاركة والتهنئة بعيد ميلاد المسيح عليه السلام >

    السؤال صاحب الفضيلة الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر البراك أحسن الله إليك، كثرت في الآونة الأخيرة الضجة حول حكم الاحتفال بميلاد المسيح عليه السلام، وحكم تهنئة الناس بعضهم بعضاً بذلك، وكذلك حكم تهنئة النصارى مجاملة لهم أو بنية دعوتهم، وقد استدل بعضهم بسلام النبي صلى الله عليه وسلم على هرقل على جواز ذلك في الدعوة، فهل هذا القول معتبر، وهل المزيد...
  • حكم تهنئة الكفار بأعيادهم >

    ما حكم تهنئة الكفار بأعيادهم ؟ .الحمد للهتهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق ، كما نقل ذلك ابن القيم - يرحمه الله - في كتاب ( أحكام أهل الذمة ) حيث قال : " وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق ، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم ، فيقول: عيد مبارك عليك ، أو تهْنأ بهذا العيد ونحوه ، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو المزيد...
  • 1
  • من نحن وماذا نريد
    من نحن وماذا نريد  نحن طائفة من المسلمين يتمسكون بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهديه في أصول الدين وشرائعه. ويدعون للاجتماع عليها مع غيرهم من المسلمين. فيحققون الجماعة بمعناها العلمي من الالتفاف حول منهج النبي وصحبه، والعملي من الاجتماع في إطار واحد يَعصِم من التفرق والاختلاف.   فيفارقون بهذه النسبة الشريفة كل من أحدث في دين النبي بدعًا من الأمر، أو فرّق كلمة المسلمين وشق صفهم. وقد ظهرت التسمية في القرون الثلاثة الأولى لما ظهر أهل الأهواء فخرجوا على جماعة المسلمين بمخالفتهم وبِدَعهم، فأصبح من يُعنى بالسنة واتباعها يُشتهر أمره ويسمى من أهل السنة والجماعة، وسميت مصنفاتهم بكتب ”السنة“. ونحن ننتسب إلى تلك…