youtube

facebook6

الإعلام في شرح نواقض الإسلام 3

كتبه  الشيخ / عبد العزيز بن مرزوق الطريفي
قييم هذا الموضوع
(0 تصويتات)

الناقض السادس: (الاستهزاء بشيء من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قول الله - تعالى -: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ*لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التّوبة: 65-66] )...

قد توعد الله من اتخذ آياته هزواً ولعباً بالعذاب المهين، فقال: (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) [الجاثية: 9].

وإعداد العذاب المهين في القرآن لم يأتِ إلا في حق الكفرة والمشركين.

وآيات الله دلائله وحججه وأمره ونهيه.

قال ابن حزم في "الفصل": (3/299): "صح بالنص أن كل من استهزأ بالله - تعالى -، أو بملك من الملائكة، أو بنبي من الأنبياء - عليهم السلام -، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين، فهي كلها آيات الله - تعالى -، بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر" انتهى.

فالاستهزاء بالدين ردّة عن الإسلام، وخروج من ملّة خير الأنام، وإن كان المستهزئ مازحاً أو هازلاً، وقول الله - تعالى -: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التّوبة: 65-66] دال على أن الاستهزاء بالله كفر، وأن الاستهزاء بالرسول كفر، وأن الاستهزاء بشيء من دين محمد - صلى الله عليه وسلم - وشريعته كفر، فمن استهزأ بواحد منها مستهزئ بها كلها جميعها.

ونزلت الآية السابقة في قوم منافقين استهزؤوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم – وأصحابه، فحكم الله بكفرهم، فقد روى ابن جرير وغيره من حديث هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- قال: "قال رجل في غزوة تبوك في مجلسٍ: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر: أنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ*لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التّوبة: 65-66]".

وقد حكم الله بكفرهم، وقطع بعدم عذرهم مع قولهم معتذرين: (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) [التّوبة: 65]. فقال الله - تعالى -لهم: (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التّوبة: 66]، أي: كفرتم بعد كونكم مؤمنين بالله، والإيمان لا يجعل صاحبه يستهزئ برسول الله –صلى الله عليه وسلم- أو دينه، ولكن لمّا كان إيمانهم ضعيفاً قالوا الكفر لاعبين هازلين.

والاستهزاء بدين الله من علامات الكفّار، قال - تعالى -: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً *إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً) [الفرقان: 41-42].

ومن علامات المنافقين خاصة، قال - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ *وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ *وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ *وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ *وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ) الآيات [المطفّفِين: 29-33].

والمُستهزئ بالله أو آياته أو رسوله أو شيءٍ من دينه وشريعته، كافر بالله، حتى وإن زعم عدم قصده لحقيقة ما قال، وإن صلى وصام، فهو بذلك القول مرتد سواء اعتقده بقلبه أو اعتقد الإيمان بقلبه، ولذا هؤلاء المنافقون في الآية لم يكونوا يعلمون بكفرهم، وظنّوا أنهم معذورون، ومع هذا لم يقبل منهم ذلك، ولم يمنعهم من الردّة، وهذا حُكم الله يحكم ما يشاء لا مُعقّب لحكمه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في قوله - تعالى -: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [آل عِمرَان: 106]، في "المجموع": (7/273): "دل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله ورسوله يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفراً وكان كفراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه" انتهى.

والاستهزاء على نوعين:

أحدهما: الاستهزاء الصريح، كمن نزلت فيهم الآية من المنافقين، وسبق ذكرهم وقولهم: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء"، وكقول بعضهم عن الدين: هذا دين خامس أو دين أخرق، والأمثلة في هذا النوع لا تحصى.

النوع الثاني: الاستهزاء غير الصريح، كالغمز باليد، وإخراج اللسان عند تلاوة كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو عند شعائر الله، وكرفع الصوت بالكلام عند قراءة القرآن أو عند سماع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - استخفافاً بهما، فالاستخفاف والاستهزاء شيء واحد، وغير ذلك، وهذا النوع بحر لا ساحل له.

ولعظيم خطر الاستهزاء بالدين حذر الله من الجلوس مع المستهزئين، فقال - تعالى -: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَئ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)[النّساء: 140].

قال ابن كثير في "تفسيره": (1/567): "أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم الجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ بها، وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم في الذي هم فيه" انتهى.

ومن سبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كفر بإجماع المسلمين، نقل الإجماع على ذلك جماعة من الأعلام: كإسحاق بن راهوية، ومحمد بن سحنون، وابن عبد البر، وأبو بكر الفارسي، والقاضي عياض، والسبكي، وابن تيمية وغيرهم.

قال القاضي عياض حاكياً إجماع الأمة على ذلك في كتاب "الشفا": (2/932): "اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرَّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له، أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه، والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب، وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر، ومنكر من القول وزوراً، أو عيَّره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لدية، وهذا كله إجماع من الصحابة وأئمة الفتوى من لدن الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى هلم جرا... لا نعلم خلافاً في استباحة دمه بين علماءِ الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره" انتهى.

* والاستهزاء وسب الصحابة له صور:

- منها: ما هو كفر وردة بالإجماع، كالاستهزاء بهم عامَّة أو سبهم بالجملة أو اتهامهم بالنفاق أو الردة، وتعميم ذلك عليهم إلا نزراً يسيراً، وقد حكى الإجماع على كفر من يفعل هذا جماعة من العلماء؛ كابن حزم الأندلسي، والقاضي أبي يعلى، والسمعاني، وابن تيمية، وابن كثير وغيرهم.

لأن فاعل هذا لا يريد بسبِّه واستهزائه أشخاصهم ولكنه يريد دينهم وصحبتهم، حيث عمَّم ذلك عليهم، وهم متفاوتون في الخُلُق والخَلق.

وقد يكفر من وقع في واحد منهم كمن سبَّه أو استهزأ به لأجل دينه وصحبته لا لأجل شخصه وخُلقه وخَلقه.

- ومنها: ما ليس بكفر، ولكن صاحبها يستحق التفسيق والتعزير والزجر، كالاستهزاء بقِلَّة منهم، واتهام بعضهم بالجبن، أو البخل أو قلة العلم ونحو ذلك.

وأما الاستهزاء بأهل العلم والصلاح فعلى نوعين:

النوع الأول: السخرية والاستهزاء بأشخاصهم، كالاستهزاء بصفتهم الخَلقية أو الخُلقية، فهذا النوع محرَّم، لقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ) [الحجرَات: 11].

النوع الثاني: السخرية والاستهزاء بأهل الصلاح لأجل صلاحهم، وبأهل العلم لأجل علمهم، فهذا النوع كفر وردَّة عن الملَّة، لأن المقصود منه استهزاء بدين الله الذي يحملونه، فلم يقع الاستهزاء على أشخاصهم، وإنما وقع على استقامتهم وعلمهم.

وقد جعل الله هذا النوع من الاستهزاء بالإسلام، فقال - تعالى -: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التّوبة: 65-66].

وسبب نزول هذه الآية ما تقدم ذكره، وهو ما رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره": (10/172) عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- قال: "قال رجل في غزوة تبوك في مجلسٍ: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنا،ً ولا أجبن عند اللقاء.

فقال رجل في المسجد: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر: أنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)[التّوبة: 65-66]".

وعدّ الله السخرية بالمؤمنين سبباً في دخول النار، فقال: (قَالَ اخْسَؤوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ *إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ *فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) [المؤمنون: 108-110].

الناقض السابع: (السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قول الله - تعالى -: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ)[البَقرَة: 102]).

والسحر في لغة العرب: ما خفي ولطف سببه، ومنه يسمّى السَحَر لآخر الليل، لخفاء الأفعال فيه، والسحْر الرئة وهي محل الغذاء وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: "انتفخ سحره"، أي: انتفخت رئته من الخوف.

وهو عزائم ورقى، قراءات وطلاسم يتوصل بها إلى استخدام الشياطين لإلحاق الضرر بالمسحور، وله حقيقة، فمنه ما يؤثر في قلب المسحور وعقله وإرادته، فينصرف عن شيءٍ ويميل لآخر، ولهذا يُسمى الصرف والعطف، أي: صرف الرجل عما يهواه، كصرفه عن زوجته ونحو ذلك، والعطف بعكس ذلك.

وقد اختلف حدُّ العلماء للسحر، وذلك راجع لكثرة أنواعه وصوره المختلفة الداخلة فيه، ولذا قال الشنقيطي في "أضواء البيان": (4/444): "السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحدٍّ جامع مانع لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينهما، يكون جامعاً لها مانعاً لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حدِّه اختلافاً متبايناً" انتهى.

وللسحر حقيقة عند جماهير أهل العلم، وهو مذهب أهل السنة والجماعة:

قال ابن هبيرة  في كتابه "الإشراف على مذاهب الأشراف": "أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة فانه قال: لا حقيقة له عنده" انتهى.

وقال المعتزلة كذلك لا حقيقة له، واستدلوا بقوله - تعالى -: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) [طه: 66]، فقال: (يخيل).

والحق أن للسحر حقيقة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وسلف الأمة كثيرة جداً.

ومن السحر ما هو تخييل لا حقيقة له.

وكثير من السحر لا يتوصل إليه إلا بالشرك والتقرب إلى الأرواح الخبيثة من دون الله، وقد جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات وقرنه بالشرك، فقال كما في "الصحيحين": ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هي؟ قال: الإشراك بالله والسحر.. )) الحديث.

والسحر يدخل في الشرك من جهتين:

الجهة الأولى: ما فيه من استخدام الجن والشياطين، والتقرب إليهم من دون الله بما يريدونه، ليوصلوا الساحر إلى مبتغاه، والسحر من تعليم الشياطين، كما قال - تعالى -: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) [البَقرَة: 102].

الجهة الثانية: ما فيه من ادعاء علم الغيب، ومنازعة الله في خصوصياته، (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ) [النَّمل: 65]، ودعوى مشاركة الله في ذلك كفر وضلال.

والأصل في السحر أنه كفر وشرك، وقد يكون منه ما هو دون الكفر.

والسحر في هذا الباب على قسمين:

القسم الأول: شرك، وهو الذي يكون بواسطة الشياطين، فيُتقرب إليهم ببذل القرابين والعبادة لهم من دون الله.

القسم الثاني: ظلم وعدوان، وهو ما يكون بواسطة العقاقير والأدوية لأذية الخلق وصدهم عما يريدون.

* وأما السحر الرياضي الذي يرجع إلى سرعة الحركة وقوّة الجسد وخفّة اليد والسحر بالتمويه، وهو ما يكون بقلب الحقائق وإظهارها على غير حقيقتها، فهذان من التدليس والخداع والغش، وإنما أدخل هذه الأنواع المذكورة في السحر للطافة مداركها وخفائها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث: ((إن من البيان لسحراً)).

* وحكم الساحر يظهر مما سبق من تقسيم على الصحيح، وقد اختلف العلماء فيه على قولين:

فمنهم: من أطلق الكفر، كما هو ظاهر صنيع المصنِّف الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهو قول جمهور العلماء، لقوله - تعالى -: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ) [البَقرَة: 102].

ومنهم: من نص على التقسيم الذي ذكرناه وهو الأظهر، ومن أطلق الكفر فظاهره أنه يقصد القسم الأول.

وقتل الساحر اختلف فيه العلماء بناءً على اختلافهم في حكم الساحر، فإن كان سحره كفراً قتل مرتَداً.

وإن كان سحره دون الكفر، قتل دفعاً لأذاه وشرّه وكفاً لفساده، وهذا يرجع للمصلحة المترتبة على بقائه.

قال ابن هبيرة  في كتابه "الإشراف على مذاهب الأشراف": "وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله:

- فقال مالك وأحمد: نعم.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا.

فأما إن قتل بسحره إنساناً فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد.

وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حق شخص معيَّن.

- وإذا قتل فإنه يقتل حداً عندهم إلا الشافعي فإنه قال يقتل والحالة هذه قصاصاً" انتهى.

مسألة:

ولا يصح في الأمر بقتل الساحر خبر مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما ما رواه الترمذي في "سننه": (4/60)، والطبراني في "الكبير": (2/161)، والدارقطني: (3/114) وغيرهم من حديث إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن البصري عن جندب –رضي الله عنه-: عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((حد الساحر ضربة بالسيف)).

فهو خبر لا يصح رفعه، فإسماعيل اضطرب فيه، فتارة يرسله وتارة يصله، وإسماعيل يُضَعَّف.

وتابعه خالد العبدي عند الطبراني في "معجمه الكبير" وخالد واهٍ.

وصوَّب الترمذي وقفه.

قال الترمذي في "علله": "سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء" انتهى.

لكن صح هذا عن جماعة من الصحابة: منهم عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-، كما رواه أحمد في "المسند": (1/190)، وأبو داود في "سننه": (3043)، والبيهقي في "الكبرى": (8/136) عن بجالة بن عبدة قال: "كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر".

وحفصة –رضي الله عنها-، كما رواه البيهقي في "سننه": (8/136) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما -: "أن جارية لها سحرتها فأقرت بالسحر، وأخرجته، فقتلتها، فبلغ ذلك عثمان - رضي الله عنه - فغضب، فأتاه ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال: جاريتها سحرتها أقرت بالسحر وأخرجته، قال: فكف عثمان - رضي الله عنه -، قال: وكأنه إنما كان غضبه لقتلها إياها بغير أمره".

وجندب كما رواه البيهقي في "سننه": (8/136) من طريق خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي عن جندب في قصة.

وخالد الحذاء لم يسمع من أبي عثمان النهدي، قاله أحمد، وحديثه عنه مخرج في "الصحيحين".

وأخرجه من وجه آخر البخاري في "التاريخ": (2/222) من طريق عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عن جندب بنحوه.

قال الإمام أحمد بن حنبل: "صح عن ثلاثة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتل الساحر" انتهى.

مسألة:

وإن تاب الساحر قُبلت توبته على الصحيح من أقوال العلماء، وقد اختلفوا في ذلك:

قال ابن هبيرة: "وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟:

- فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم: لا تقبل.

- وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل.

وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم.

- وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل، يعني لقصة لبيد بن الأعصم.

- واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل ولكن تحبس.

- وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله أعلم" انتهى.

الناقض الثامن: (مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله - تعالى -: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[المائدة: 51]).

ومن ظاهر المشركين وناصرهم على المسلمين فقد تعرض لتهديد الله ووعيده، وخان الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين، واستحق سخط الله وعذابه، قال - تعالى -: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ *وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)[المائدة: 80-81].

وجعل الله ذلك من خصال المنافقين، فقال - تعالى -: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)[النّساء: 138-139].

وجعل حكم من يتولى المشركين كحكمهم، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: 51].

وجعل موالاتهم سراً أو علانية ووعدهم بالمناصرة صدقاً أو كذباً في النهي سواء، فقال - تعالى -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)[الحشر: 11].

وقطع سائر الأعذار لتوليهم كحظوظ الدنيا أو الخوف منهم أو مداراتهم أو مداهنتهم أو خشية الدوائر أو عصمة النفس والمال، فقال: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) [المائدة: 52]، وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآْخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) [النّحل: 107].

وعمَّم النهي في موالاة الكافرين عامة ذوي أرحام أو أجانب، كتابيين أو مشركين أو مرتدين وغيرهم من ملل الكفر، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة: 57].

وقال: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..)[المجادلة: 22].

وتوعد من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين إن هو لم يرتدع عن موالاته وينجر عن مخالته أن يلحقه بأهل ولايته من المنافقين، فيستحق ما استحقوه بأوضح حجه وأقوى برهان، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينِ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا)[النّساء: 144].

وتبرأ ممن يتولاهم، فقال: (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عِمرَان: 28].

وقطع بردتهم، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَْمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ)[محمَّد: 25-26]، إلى غير ذلك من الآيات.

والنصوص في الكتاب والسنة في هذا الباب أكثر من أن تحصر، وقد حرص الشارع على بيان هذا الأصل العظيم من الدين أشد بيان، فتواترت به النصوص من الكتاب والسنة، وتظافرت فيه الأدلة، وذلك لأنه من أعظم أصول الملة، فبموالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين تهدم الشريعة ويثلم الدين.

قال الشيخ حمد بن عتيق في "سبيل النجاة": (ص:31): "فأما معاداة الكفار والمشركين.. فاعلم أن الله - سبحانه وتعالى - قد أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله - تعالى - حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده" انتهى.

وقد وقع الجهل في هذا الباب، والتسامح فيه، فأصبح اتِّباع الأهواء وملذات الدنيا وحب الرئاسة عذراً في موالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين، فأصبح هذا الباب فتنة لكثير من الأولين وبلاء للآخرين.

فتحرم موالاة الكافرين على المؤمنين بالمال والنفس والرأي، وإن لم يقع في القلب حبهم، وتفضيل دينهم على دين المؤمنين، وقد حذر الله من ذلك أشد تحذير، كما تقدم في الآيات، قال - تعالى -: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: 51]، وهذا يجري على ظاهره أنه في حكمهم.

قال ابن القيم في "أحكام أهل الذمة": (1/67): "قد حكم  الله  -ولا أحسن من حكمه- أن من تولى اليهود والنصارى فهو منهم، (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: 51]، فإذا كان أولياءهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم" انتهى.

وقال القرطبي في "تفسيره": (6/217): ِ"أي يعضدهم على المسلمين، وبين - تعالى - أن حكمه كحكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ابن أبي، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة" انتهى.

وقال ابن حزم في "المحلى": (11/ 35): "وصح أن قول الله - تعالى -:(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: 51]، إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين" انتهى.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله في "الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك": (52): "قال - تعالى -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الحشر: 11]. فإذا كان وَعْد المشركين في السر  بالدخول معهم ونصرتهم والخروج معهم إن جَلَوا نفاقاً وكفراً وإن كان كذباً، فكيف بمن أظهر لهم ذلك صادقاً، وقدم عليهم، ودخل في طاعتهم، ودعا إليها، ونصرهم وانقاد لهم، وصار من جملتهم، وأعانهم بالمال والرأي.

هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفاً من الدوائر، كما قال - تعالى -: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) [المائدة: 52]" انتهى.

ومن تبرأ من أعداءِ الله وأعداءِ وليه ودينه، عليه موالاة أولياء الله، قال - تعالى -: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [المائدة: 55].

ولا يُعذر مسلم بتوليه الكافرين، ومناصرته لهم على المؤمنين، فمصلحة التوحيد أعظم مصلحة ترجى للأمة، ومفسدة الشرك أعظم مفسدة تُدرأ عنها، فلا يحل مظاهرة الكافرين على المؤمنين لأجل طمع في الدنيا يرجى، من عصمة مال أو رياسة وغيرها، بل ولا عصمة الدم، حيث عُلم أن مظاهرة الكافرين كفر وردة عن الدين، وقد أجمع أهل العلم على أن من ظاهر الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من الملل الكفرية على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم، قال الله - جل وعلا -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: 51].

قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ - رحمه الله - كما في مقدمة كتاب "الدلائل": "اعلم -رحمك الله- أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفاً منهم، ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب الإسلام والمسلمين، هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة واستدعى بهم ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل وأعانهم عليه بالنصرة والمال ووالاهم، وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها بعد ما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله، فإن هذا لا يشك مسلم أنه كافر من أشد الناس عداوة لله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يستثنى من ذلك إلا المكره وهو: الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له: اكفر أو افعل كذا وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان.

وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلاً أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفاً وطمعاً في الدنيا" انتهى.

* ولأجل هذا شرع الله الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإيمان، لما تتضمنه الإقامة بين ظهرانيهم في الغالب من المودة لهم وطلب رضاهم بمدح ما هم عليه، وعيب المسلمين.

قال ابن حزم الأندلسي في "المحلى": (11/199، 200): "وقد علمنا أن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أبق عن الله - تعالى -، وعن إمام المسلمين وجماعتهم، ويبين هذا حديثه - صلى الله عليه وسلم - أنه بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، وهو - عليه السلام - لا يبرأ إلا من كافر، قال الله - تعالى -: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التّوبة: 71].

قال أبو محمد - رحمه الله -: "فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها، من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله وانفساخ نكاحه وغير ذلك؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبرأ من مسلم.

وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره" انتهى كلام ابن حزم.

* والموالاة والمعاداة أوثق عرى الإيمان، ولأجل حماية هذا الأصل العظيم حرَّم الله التشبه بالكفار في الهدي الظاهر حتى وإن لم يصاحبه حب في الباطن، فقد روى أحمد وأبو داود من حديث حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ومن تشبه بقوم فهو منهم)).

ويخرج من هذا من كان من المسلمين في دار كفر، وخشي الضرر بالمخالفة لهم في الزي الظاهر، فيجوز له موافقتهم في هديهم الظاهر، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بمخالفة المشركين حال ضعف المُعِيْن له، وقلة الناصر، بل أمر بذلك بعد ظهور الإسلام وقوَّة أهله.

ومن أعظم موالاة أهل الكفر التي تناقض الإيمان إقامة المنظمات والملتقيات والمؤتمرات من أجل تقرير وحدة الأديان، وإزالة الفوارق العقدية، ومحو الخلاف فيما بينها، وهذا الأمر يتكئ على فكرة خبيثة عرفت قديماً عند ملاحدة المتصوفة كالتلمساني وابن سبعين وابن هود، وعرفت حديثاً عند دعاة العلمانية والليبرالية الذين يتفقون مع سابقيهم في الإلحاد، ونبذ الإسلام وتنحيته عن شئون الحياة.

مسألة في الاستعانة بالكفار في القتال:

وأما الاستعانة بالكفار في قتال كفار آخرين، فهي مما وقع في جوازها الخلاف بين أهل المعرفة، فمنهم من منع مطلقاً، ومنهم من أجاز بقيود وشروطٍ، كمسيسِ الحاجة إليهم، وأمن مكرهم وخيانتهم بالمؤمنين.

وأما الاستعانة بالكفار على قتال بغاة مسلمين، فقد منع منه أكثر العلماء وجماهيرهم، فإن كان قتال هؤلاء البغاة مما يقوِّي شوكة الكفار على المسلمين، ويظهرهم عليهم، ونفع أهل الكفر بهذا القتال أكثر من نفع أهل الإسلام، فهذا داخل في قوله - جل وعلا -: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)[المائدة: 51] بلا ريب.

ومن الاستعانة بهم في القتال ما هو دون ذلك في الحكم فلا يصل إلى الكفر والردة، والخروج من الملة.

قال ابن حزم الأندلسي ح في "المحلى": (11/200، 201): "وأما من حملته الحمية من أهل الثغر من المسلمين فاستعان بالمشركين الحربيين وأطلق أيديهم على قتل من خالفه من المسلمين، أو على أخذ أموالهم أو سبيهم، فإن كانت يده هي الغالبة وكان الكفار له كأتباع فهو هالك في غاية الفسوق، ولا يكون بذلك كافراً، لأنه لم يأت شيئاً أوجب به عليه كفراً قرآن أو إجماع.

وإن كان حكم الكفار جارياً عليه فهو بذلك كافر، على ما ذكرنا، فإن كانا متساويين لا يجري حكم أحدهما على الآخر فما نراه بذلك كافراً. والله أعلم" انتهى.

المشاهدات 936 مرة

الأكثر قراءة هذا الشهر

جديد المقالات

  • خلق نفتقده >

    قد لا  يكون الخلق الوحيد الذي يفتقده مجتمع المسلمين اليوم لكنه بلا شك الأكثر افتقادا في ظل طغيان مادي جارف وجفاف روحي وأخلاقي واضح وانحسار ملحوظ لتمثل المسلمين بخلق متمم لشعب الإيمان . لا تقتصر غربة هذا الخلق في المجتمع على جنس دون آخر أو جيل دون جيل فقد عمت بلوى هجره والإعراض عنه الرجال قبل النساء وانتقلت عدوى تركه إلى الفتيان المزيد...
  • متى.. متى؟! >

    عبارةٌ وجدتها مكتوبةً في إحدى الوريقات أمامي، فتبادر لذهني: لماذا يؤجِّل البعض منا تحقيقَ الأهداف، يؤخِّرها للغد، أو بعد غدٍ، وربما الشهر القادم، وقد يردِّد: "خليها بالتساهيل"؟ بالتسويف لن يتحقَّق شيء، وستظلُّ واقفًا في نفس المكان طَوالَ حياتِك. اجلس مع نفسك واسألها: (سأعيش في هذه الحياة مرَّةً واحدةً، أحلامي وأمنياتي، أهدافي التي أريدها متى سأقوم بتحقيقها، متى.. متى؟!). ذلك الهدف الذي المزيد...
  • هنا تظهر معادن الأزواج >

    حريصون علي شكر كل أب أو زوج لما يتحمل من مسئوليات , و ما يبلغه من الكد والتعب و العمل ليل نهار ، كي يوفر لبيته و لأهله و أولاده حياة كريمة ، مضحيا بكل ما أوتي من قوة لسد إحتياجاتهم .. هذا غير ما يتحمل من الهموم التي تعاوده من الخوف من غد , أو هل سيستطيع أن يواصل رحلة الكفاح هذه , أم ستتقلب المزيد...
  • 1

شخصيات بناءة

  • قوة الكلمة >

    في بعض اللحظات لحظات الكفاح المرير الذي كانت الأمة تزاوله في العهد الذي مات. . كانت تراودني فكرة يائسة، وتلح على إلحاحا عني. . أسأل نفسي في هذه اللحظات. . ما جدوى أن تكتب؟ ما قيمة هذه المقالات التي تزحم بها الصحف؟ أليس خيرا من هذا كله أن تحصل لك على مسدس وبضع طلقات، ثم تنطلق تسوي بهذه الطلقات حسابك مع الرؤوس الباغية المزيد...
  • ( 8 ) قواعد مهمة لمن أراد نقاش المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب- رحمه الله- >

    هذه ثمان قواعد أو تمهيدات أُراها مهمة لمن أراد الدخول في النقاش مع المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - ؛ كي لا يكون الحوار معهم غير مجدٍ ، ويدور في حلقة مفرغة ، استللتها من كتابي " ثناء العلماء على كتاب الدرر السنية " ، مع التنبيه إلى أن توثيق النقول الآتية في المقال يجده القارئ في كتابي السابق ، وهو منشور في موقع هذا المزيد...
  • سيد قطب رحمه الله >

    فضيلة الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي حفظه الله : كثرت الأقوال في سيد قطب رحمه الله ، فهذا ينزهه من كل خطأ، وذاك يجعله في عداد الفاجرين بل الكافرين فما هو الحق في ذلك ؟ الجواب : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فإن المفكر الأديب سيد قطب رحمه الله له أعداء كثيرون، يختـلفون في كيفية النقد وأهدافه المزيد...
  • 1

637 زائر، و2 أعضاء داخل الموقع

جديد الأخبار

  • الشرطة البلجيكية تستعد لمداهمات جديدة ضد اللاجئين >

    تستعد الشرطة البلجيكية لمداهمة إحدى حدائق العاصمة بروكسل بهدف ضبط لاجئين يتخذون منها مأوى. وقال مسؤول في الشرطة : إن عناصر من الشرطة مرتدين أزياء مدنية، سيقومون بضبط اللاجئين الذين يبيتون في حديقة "ماكسيميليان"، دون توضيح توقيت بدء تلك المداهمات تحديدا. ولفت إلى أن عناصر الشرطة ستتحرك في مجموعات صغيرة خوفا من مواجهة انتقادات شعبية. وأضاف, أن وزيري الداخلية جان جانبون، المزيد...
  • إيران تمهد لإعدام عشرات المعتقلين على خلفية الاحتجاجات >

    وجه القضاء الإيراني تهم "الإفساد في الأرض " و"المحاربة" ضد 39 من المعتقلين أثناء الاحتجاجات الأخيرة وهي تهم أدت في السابق إلى إعدام الآلاف من المعارضين الإيرانيين. وأشارت وكالة "هرانا" التابعة لمجموعة من ناشطي حقوق الإنسان إلى أن قوات الأمن نقلت خلال الأيام الماضية، عشرات من المعتقلين في مدينتي "أسدآباد" و"تويسركان" في محافظة همدان إلى السجن المركزي بعد أن وجهت لهم المزيد...
  • الطائرات الروسية ترتكب مجزرة بالغوطة وأخرى بريف إدلب >

    ارتكبت طائرات الاحتلال الروسي مجزرة في الغوطة الشرقية بريف دمشق وأخرى بريف إدلب شمال سورية . وقضى قرابة الـ40 مدنياً وجرح العشرات بينهم أطفال ونساء إثر قصف من طائرات الاحتلال الروسي على مناطق متفرقة من سوريا، في حين استمرت فرق الدفاع المدني في العمل لساعات وهي تحاول انتشال العالقين تحت الركام. وقال مراسلون في ريف دمشق : إن 19 مدنيا قتلوا في المزيد...
  • 1

جديد الفتاوي

  • بقايا طلاء الأظفار (المناكير)، وأثره على الوضوء >

    السؤال امرأة على أظافرها مناكير (صبغ) وأزالتها قبل التطهر للصلاة، وبعد يومين تقريبا رأت بعض الآثار باقية على أظفارها، فماذا عليها؟ الجواب الحمد لله؛ يجب في الوضوء والغُسل الإسباغُ، أي: غَسل جميع ما يجب غسله في الغُسل والوضوء، وألا يترك من ذلك شيء، فإن نسي موضعًا من أعضاء وضوئه أو بدنه في الغُسل قبل أن تجف أعضاؤه، غسل الموضع وكفى، المزيد...
  • المشاركة والتهنئة بعيد ميلاد المسيح عليه السلام >

    السؤال صاحب الفضيلة الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر البراك أحسن الله إليك، كثرت في الآونة الأخيرة الضجة حول حكم الاحتفال بميلاد المسيح عليه السلام، وحكم تهنئة الناس بعضهم بعضاً بذلك، وكذلك حكم تهنئة النصارى مجاملة لهم أو بنية دعوتهم، وقد استدل بعضهم بسلام النبي صلى الله عليه وسلم على هرقل على جواز ذلك في الدعوة، فهل هذا القول معتبر، وهل المزيد...
  • حكم تهنئة الكفار بأعيادهم >

    ما حكم تهنئة الكفار بأعيادهم ؟ .الحمد للهتهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق ، كما نقل ذلك ابن القيم - يرحمه الله - في كتاب ( أحكام أهل الذمة ) حيث قال : " وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق ، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم ، فيقول: عيد مبارك عليك ، أو تهْنأ بهذا العيد ونحوه ، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو المزيد...
  • 1
  • من نحن وماذا نريد
    من نحن وماذا نريد  نحن طائفة من المسلمين يتمسكون بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهديه في أصول الدين وشرائعه. ويدعون للاجتماع عليها مع غيرهم من المسلمين. فيحققون الجماعة بمعناها العلمي من الالتفاف حول منهج النبي وصحبه، والعملي من الاجتماع في إطار واحد يَعصِم من التفرق والاختلاف.   فيفارقون بهذه النسبة الشريفة كل من أحدث في دين النبي بدعًا من الأمر، أو فرّق كلمة المسلمين وشق صفهم. وقد ظهرت التسمية في القرون الثلاثة الأولى لما ظهر أهل الأهواء فخرجوا على جماعة المسلمين بمخالفتهم وبِدَعهم، فأصبح من يُعنى بالسنة واتباعها يُشتهر أمره ويسمى من أهل السنة والجماعة، وسميت مصنفاتهم بكتب ”السنة“. ونحن ننتسب إلى تلك…